قال معهد "تشاتام هاوس"، إن مصر قد تنضم في نهاية المطاف إلى السعودية وتركيا وباكستان في اتفاقية الدفاع المشترك، لكنها في الوقت الراهن، تواصل نهجها الحذر سعيًا منها لتجنب الانحياز لأي طرف.

 

ووقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، المعروفة باسم "ميثاق مكة"، في 7 أغسطس. وينص على أن أي هجوم مسلح على أي دولة عضو يُعتبر هجومًا على جميع الدول الأعضاء. 

 


لماذا لم تنضم مصر؟


مصر ليست من الدول الموقعة على اتفاق مكة، على الرغم من عملها الوثيق مع الدول الثلاث كجزء من مجموعة غير رسمية من أربع دول يشار إليها باسم الرباعية". 

 

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إن القاهرة تدرس الاتفاق "بجدية بالغة" وأن اتخاذ قرار بشأن الانضمام "يتطلب دراسات معمقة في ضوء دستور مصر والتزاماتها القانونية". 

 

وقال هاكان فيدان وزير الخارجية التركي إنه يعتقد أن مصر ستنضم إلى الاتفاق "في المرحلة التالية" بمجرد حل "بعض المسائل الفنية". 

 

وبغض النظر عما إذا كانت مصر ستنضم في نهاية المطاف إلى الاتفاق، فإن التقرير ينظر إلى غيابها باعتباره يتماشى مع استراتيجية البلاد منذ أن وصل عبدالفتاح السيسي إلى السلطة في عام 2024. 

 

وقال التقرير: "لعقود، انتهج قادة مصر نهجًا حذرًا، متبنين عدم الانحياز ومتجنبين التحالفات العسكرية لتجنب الوقوع في مأزق. لكن الانضمام إلى حلف مكة قد يُشير إلى أن مصر تنحاز إلى جانب خصوم الدول الأعضاء الثلاثة الجيوسياسيين، والذين يُمكن اعتبارهم مجتمعين إيران والحوثيين، وإسرائيل، والإمارات، واليونان، وقبرص، والهند. هذا الانحياز المُتصوَّر قد يُؤثر سلبًا على علاقات القاهرة مع هذه الجهات دون تحقيق مكاسب تُذكر". 

 

وفي تقديره، فإنه يرى الاتفاقية تركز على الإشارات السياسية أكثر من قيمتها العسكرية. ولا تتوفر تفاصيل عامة كثيرة عن الاتفاقية، ولكن من المحتمل أن يكون لها دور في ذلك. 

 

يشمل التعاون في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوسيع نطاق الأمن البحري، والتعاون في الصناعات الدفاعية. مع ذلك، تتعاون القاهرة بالفعل مع الدول الثلاث في العديد من هذه المجالات من خلال مجموعة الحوار الرباعي ودعمها للتحالف البحري بقيادة السعودية في البحر الأحمر. 

 

وفي عهد السيسي، يشير التقرير إلى أن مصر تنظر إلى نفسها كوسيط، الأمر الذي يتطلب الحفاظ على علاقات إيجابية وقنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. وتسعى لتجنب التورط في تحالفات عسكرية من شأنها أن تعقد هذا الدور أو تزيد من حدة التوترات الإقليمية.

 

إسرائيل والولايات المتحدة


وفي تقييمه لمجمل الأوضاع بالمنطقة، يقول التقرير إن مصر قد تشارك التحالف مخاوفه الأمنية بشأن الجهات الفاعلة غير الحكومية، والأمن البحري، والسودان. لكن بالنسبة للعديد من صناع السياسات المصريين، سيظل الصراع المحتمل مع إسرائيل يشكل أكبر تهديد أمني في المستقبل، على الرغم من معاهدة السلام والتنسيق الأمني بين البلدين. 

 

وأوضح أنه بالنظر إلى مكانة إسرائيل كحليف إقليمي رئيس للولايات المتحدة، فلا يوجد تحالف أمني آخر يمكن أن يوفر لمصر الحماية الكافية في صراع محتمل مع إسرائيل. 

 

لذا، قال إنه بينما قد يُسهم الانضمام إلى حلف مكة في مواجهة مخاوف مصر الآنية في السودان وليبيا والقرن الأفريقي، إلا أنه لن يحلّ أولوياتها الأمنية طويلة الأمد. في الوقت الراهن، تبقى الولايات المتحدة الشريك الأمني الأهم لمصر. 

 

تشعر القاهرة أيضًا بالقلق حيال سيادتها. فالاندماج في الترتيبات الأمنية التي تقودها السعودية من شأنه أن يعزز مساعي الرياض نحو الزعامة العربية. ومن وجهة نظر القاهرة، يُنذر هذا الأمر بخلق علاقة تبعية مع الرياض.

 

الحجة المؤيدة للانضمام


بالنسبة لمصر، رجح التقرير أن تفوق مخاطر الانضمام إلى الاتفاق حاليًا المكاسب. لكن هذا التقييم قد يتغير مع مرور الوقت.

 

لا يُعدّ حلف مكة تحالفًا عسكريًا بقدر ما هو بيان نوايا بشأن ملامح النظام الإقليمي المقبل. وبينما تبقى واشنطن الشريك الأهم لمعظم القوى الإقليمية، بما فيها تركيا والسعودية، فإنها تسعى إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. ومن المرجح أن يتسارع هذا التوجه. 

 

كما يتيح الاتفاق لأعضائه التحوط ضد طموحات إيران وإسرائيل الإقليمية، واختبار توازن قوى جديد يرتكز على القوى المتوسطة. ولمصر مصلحةٌ بالغةٌ في أخذ زمام المبادرة بالمشاركة في هذه الترتيبات. 

 

على ضوء ذلك، أشار إلى أن مصر ستكون أكثر حماسًا للانضمام إلى الحلف إذا لم تُطبَّق التزامات الدفاع المشترك الملزمة المنصوص عليها في الاتفاقية على أرض الواقع. وستضمن هذه المرونة انضمام القاهرة دون التخلي عن قدرتها على التوسط أو تعميق التنسيق مع خصوم الحلف، حتى وإن أثار ذلك تساؤلات حول مصداقية التحالف.

 

تُعدّ هذه المساحة المتاحة للمناورة بالغة الأهمية، إذ تحتاج مصر إلى تنويع أنشطتها وإقامة شراكات عبر مناطق التوتر في المنطقة، نظرًا لمعاناتها الاقتصادية المزمنة وتراجع مكانتها في العالم العربي. وفي الوقت ذاته، من شأن الانضمام إلى هذا الاتفاق أن يعزز قدرة القاهرة على بسط نفوذها من خلال لعب دور محوري في الترتيبات الأمنية الإقليمية. 

 

الخيارات مفتوحة


ويخلص التقرير إلى أنه ينبغي على مصر التحلي بالصبر، ولكن دون تردد. فالاتفاق جذاب من حيث المبدأ، ولكنه ليس أولوية ملحة لمصر في الوقت الراهن. ولا ضير في الانتظار. 

 

وفيما يصف الاتفاق الجديد على أنه أقل تعقيدًا من حلف الناتو، لكنه يعتبره أكثر جدية من التحالفات الإقليمية السابقة. وقد يتطور هذا الاتفاق إلى شراكة أكثر تركيزًا على قضايا محددة بدلاً من أن يكون كتلة ملزمة. وهذا هو السيناريو الأمثل لمصر. 

 

يكمن الاختبار الحقيقي لأي تحالف في تنفيذه، لا سيما في زمن الحرب. ومع حالة عدم اليقين التي تكتنف نهاية الحرب مع إيران والتصعيد الدوري في البحر الأحمر، ينبغي على مصر مراقبة وتقييم رد فعل التحالف عندما يتعرض أحد أعضائه للتهديد. 

 

ومضى إلى القول: "ينبغي على القاهرة في الوقت الراهن التريث في دراسة هيكل الحلف والتزاماته العسكرية وتكامله العملياتي. وعليها تأجيل البت في مسألة العضوية إلى حين اتضاح جميع هذه الجوانب".

https://www.chathamhouse.org/2026/08/should-egypt-join-mecca-pact